الشيخ عبد الواحد محمد بن الطواح
86
سبك المقال لفك العقال
من طعن عليه حسدا ، ولم يزل أهل الفضل محسودين قديما وحديثا ، وطيبهم يلفى عند الأرذلين خبيثا ، وأبت النفس الإنصاف وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ « 1 » ، فهم كما قال عذلوا في حب أنفسهم حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ « 2 » ، وذلك أني شاهدت منه أمرا غريبا ما رأيته قط إلا عنده ، وما سمعت به إلا حكاية عن السلف ، وهو مما يدل على متابعة السنة ، وذلك أني فاتتني صلاة العصر في الجماعة ؛ فدخلت منزله فصلّيت فذا ؛ فلما أكملت صلاتي ما بقي أحد من طلبته إلا وعزاني وصافحني ودعا لي بخير بالخلف وقوى صبري ، فلم أميز واللّه نفسي ، وظننت أني قد خرجت عن زماني ، وبقيت متعجبا أن يكون في هذا الزمان على ركاكة حاله ، وخساسة آله مثل هذا ، وتذكرت قول حاتم الأصم « 3 » فاتتني الجماعة فعزاني أبو عبد اللّه البخاري « 4 » وحده ، ولو مات لي ولد لعزّاني أكثر من عشرة آلاف ، فحمدت اللّه الذي شاهدت في زماننا على خسته قوما ما كان عليه السلف ، وعملوا على قوله عليه السلام : « من فاتته صلاة العصر « 5 » فكأنما أوتر ماله وأهله ، وذلك فيه العزاء » « 6 » . فأولى في فوات ثواب من لا يفنى فبمثل هؤلاء ينبغي أن يقتدي وفيهم أقول « 7 » :
--> ( 1 ) سورة التوبة ، الآية : 32 ، وفي المخطوط ورد خطأ - لفظ « المشركون » بدل « الكافرون » . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 109 . ( 3 ) حاتم بن عنوان ، أبو عبد الرحمن المعروف بالأصم ، أحد الزهاد المشهورين بالورع من أهل بلخ ، زار بغداد ، واجتمع بالإمام أحمد بن حنبل ، وشهد بعض وقائع الفتوحات ومعاركها ، ومن النعوت التي كان يحلى بها أنه « لقمان هذه الأمة » ، توفي عام ( 237 ه / 851 م ) . له ترجمة في : تاريخ بغداد 8 : 241 ، الأعلام 2 : 151 . ( 4 ) غير الإمام أبي عبد اللّه محمد بن إسماعيل البخاري صاحب صحيح البخاري المولود في بخاري سنة ( 256 ه ) . ( 5 ) في بعض الأقوال والتفاسير أن الصلاة المقصودة بقوله تعالى : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [ البقرة : 238 ] ، المقصود بها صلاة العصر . ( 6 ) البخاري : مواقيت ؛ 14 : مناقب : 25 ، مسلم ، مساجد : 200 ، 201 ، ابن داود : صلاة : 5 ، الترمذي ، صلاة : 14 . ( 7 ) من البحر الطويل .